3‏/8‏/2013

مسرحية الديمقراطية ببغداد في مشهدين

أ.د. عبد الكاظم العبودي
شهد يوم أمس، الجمعة الثاني من آب 2013 من المفارقات والمشاهدات الميلودرامية التي لا يمكن جمعها بمقالة او حتى ضمن فلم وثائقي او تسجيلي، لكنها تشبه الى حد ما مسرحية بفصلين بائسين لمخرج تافه اسمه نوري المالكي.
واذا كان كل عمل سياسي ممسرح يحتاج الى عنوان للمسرحية والى فريق كومبارس ومخرج ومنتج، خصوصا ان بغداد لازالت تحتفي بسنتها الثقافية العربية 2013  ويفترض ان لها ادارة مناسبة للسينما والمسرح لكي تقدم اسهاما مسرحيا مميزا ببغداد، خصوصا بعد اقصاء المدير العام لدائرة السينما والمسرح د. شفيق المهدي بتهم الفساد المالي والاداري، يرى فيها البعض انها تهم كيدية بدوافع طائفية،  وتنصيب العسكري الفاشل وزير الدفاع وكالة سعدون الدليمي نفسه، قيماً ومديراً عاما على وزارة الثقافة "المالكية"، فاننا نتوقع ان نشاهد ببغداد الأزل، العجب من مشاهد من الجد والهزل، وما يخلب الالباب والأبصار، وينزع عن الرؤوس حتى نخاع العقل .


الكل كان يتوقع ان الفصل الاول لمسرحية المالكي الجديدة سيعرض على ركح ساحة التحرير يوم الجمعة الفائتة، خصوصا أن كل طرف كان قد أعد عدته للمواجهة والمنازلة ليكون المشهد عراقيا ومالكيا بامتياز.  ولما حضر جمهور ساحة التحرير في الموعد، وجلهم شباب تدفعهم الحمية الوطنية على ما يجري من أوضاع العراق.
هؤلاء الشباب العراقيون الطيبون الرائعون، وبعد أن خذلهم كتاب صفحات الفيسبوك واصحاب المزايدات السياسية في معارضة المالكي وغيرهم في الحضور والتحشيد المطلوب، وجدوا انفسهم وحيدين في الساحة الممتلئة بـ "الحشر" المطلوب سلطوياً منذ منتصف ليلة الخميس الفائت، وكان جمهور الساحة من شرطة وأعوان أمن، ومرتزقة ، ومخابرات و"دعاة" وكلاب تلعق بأحذية المالكي، وقد ملأوا الساحة جميعها واحتلوها من اقصاها الى اقصاها، شعارهم أيضا " ساحة التحرير أيضا ما ننطيها " .
وعلى الطريقة التجارية لادارة مسرح الكوميدي العربي الاول عادل امام كان حراس الساحة بتعداد الالوف منعوا دخول كل ما يمت الى التسجيل السمعي والبصري، وقد تم طرد وعزل واحتواء مراسلي الاعلام ومنهم من صودرت كامراتهم وحتى هواتفهم النقالة القادرة على التصوير والتسجيل والبث المباشر، فكان ان تم للمالكي ما اراد في تأجيل التظاهرة وشروعه في تقديم العرض السلطوي والاستعاضة عن كل ذلك بنشر صورة لعاصمة بغداد عاصمة الثقافة العربية المحتفلة اطرافها طائفيا، برغبة وقرار إيراني،  بـ "يوم القدس" في آخر جمعة من جمع  شهر رمضان الفضيل .
والصورة الجديدة لساحة التحرير تناقلتها وكالات الانباء العالمية ، حتى اصبحت توثيقا ومعلما "مالكيا" يُراد به ان يكون مُكملا لمعالم ألواح نصب الحرية المعلقة بسماء بغداد الحرة، وتثبيت صورة جدارية جديدة لعالم سياسي واجتماعي سفلي، ومظاهر سافلة من كدس البنادق والعصي والهراوات الكهربائية والرصاص والقنابل الصوتية والغازية واعمدة المتاريس الكونكريتية يحشدها المالكي بمواجهة شعب منتقض، ليقول من خلالها للعالم:

انا المالكي، انا هنا المخرج والمنتج والكومبارس وبطل المسرحية، وأنا المشاهد الوحيد، وحتى الجمهور كله إن شئتم ان تتصوروا.
وهي بالطبع صورة مشهد الحاكم العاجز الضائع خلف كواليس السلطة الغارقة بكل وحول الدنيا، مفارقة سلطوية متحجرة تتفرد بها حكومة المالكي وعصاباته فقط في العراق، وصلت بها نخاستها الى تأميم كل المسرح السياسي في العراق، في ظل سلطة عمياء، لا يمكن ان نجد لها مسمى سوى " الديموخرطية".
وفي الوقت الذي كان المالكي يختلي بعدد من مجرمي وقادة قواته الدموية، يسرب إعلامه خطاب التهديد والوعيد للشعب العراقي وقواه الحية وشبابه المنتفض ، صورة تظهره  بائسا وحده، من دون صورة خلفية للحضور معه، تظهر هؤلاء" القادة الميامين مكافحي الارهاب العالمي" الذي يهدد بهم شعب العراق .
والغرابة في الارتجال المُمَسرح ان يعلن المالكي اختراع مؤسسته القمعية  لنوع جديد من الاسلحة الفتاكة، سماها المالكي في رطانته المرتبكة في الخطاب الأخير، وقد بدى خلالها مهزوزا جدا ومرتبكاً، مُتَقولا بـكلمتي " ماحقة لاحقة"، من دون طرح واضح لما يقصده هذا المهذار في تفسير وتوضيح المُفردتين الجديدتين المالكيتين اللتين بدتا غامضتين حتى على جمهور مسرحيته وانصار مسلسل " مختار العصر" ..
هذا ما تم في ركح الفصل الاول بساحة التحرير وقاعة سفلية تحت الارض في المضبعة الخضراء . في ساحة التحرير عاد الشباب الى بيوتهم وهم يتوعدون المالكي إعادة الكرة والاعتصام ساحة الحرية والتحرير مستقبلا وفي الأجل القريب، بينما ظل الفصل الثاني لمسرحية المالكي مفتوحا على كل الاحتمالات، ومن دون خاتمة،  ومن دون تغيير في الظلمة والإنارة لخلفية وواجهة المسرح ، وعادت حليمة الى عاداتها القديمة ، وكما سنرى من سير الاحداث المتتالية  في يوم الجمعة الأخيرة.

تم اخراج الفصل الثاني من عرض المالكي المسرحي في اماكن اخرى من بغداد، على طريقة تمثيل "التشابيه الحسينية"، استخدم تقنيات ما يسمى بالمسرح الجوال ، حيث شهدت الشوارع العامة والأزقة للعديد من الاحياء البغدادية الصابرة على ضيم المالكي مشاهد غريبة ، تم انتقائها باستفزاز وقح بنشر الاعلانات عن استمرار عرض مسرحية المالكي في الجمعة الاخيرة من شهر رمضان، باستغلال ما يُسمى ايرانياً "مناسبة الاحتفال بيوم القدس حسب وصية الخميني" ..
كانت الصور واللافتات التي اعدها فيلق القدس وموظفوا السفارة الايرانية ببغداد تركز على صور بطلي المسرحية: وهما الخميني والخامنئي، من دون اهتمام لمشاعر العراقيين الوطنية، الاستهداف بات واضحا هو التنكيل ببغداد المنصورة يوما عليهم .
ولكي يأخذ العرض سماته المحلية والإقليمية ادخل الإيرانيون، ومن خلفهما إدارة المالكي المسرحية، كومبارس متخلف من فريق العصائب البطاطية، ومع الصورتين لهؤلاء الأغراب ظهرت صورة محشوة بينهما منسوبة للصدر الثاني.  الملصقات التي غزت شوارع بغداد وميادينها الرئيسية ظهرت بصورة مستفزة للمشاعر الوطنية العراقية. كانت وستبقى ظاهرة ملفتة للنظر، إتسمت بكثرتها وتكرارها وعباراتها وتعليقها خلال ساعات الليل، باستغلال فترات فرض منع التجول الساري ببغداد منذ أيام بحجة الدوافع الأمنية.
اللافتات وصور الخميني والخامنئي تغزو احياء بغداد في ليلة رمضانية يتوجه بها الناس في الدعاء لاحلال السلم الاجتماعي بين العراقيين ووقف المجازر ، لكن اللافتات والمتظاهرون الذين حملوها بافتعال مسرحي بدت عليها وعليهم مظاهر النعمة النفطية والطائفية والارتزاق.
اللافتات والملصقات والمنشورات التي وزعت بسخاء كانت ذات طباعة الكترونية فخمة ، ومساحاتها كبيرة ، وعددها يتجاوز احتياجات احتفالية سياسية معينة او الاحتفاء بمناسبة عابرة . كلفتها الطباعية والوانها اكبر من قدرة ميزانية للانتاج المسرحي والاشهاري لأية مسرحية واحتفالية وتظاهرة ثقفية عُرضت خلال تاريخ العراق السياسي والثقافي المعاصر.
كان توزيع ملصقات مسرحية المالكي الاخيرة في بعض الاحياء الشعبية البغدادية المُختارة بدقة ولحسابات طائفية وفصائلية سياسية "دعوية" ، إيذانا خطيرا بكشف المستور عما ادعاه المخرج الهالكي وبطانته:واقوالهم من ان عروضهم وتظاهراتهم " سلمية" ، وهي " مقدسية متعلقة بحب القدس وهدم خيبرقي الحجاز وطرد اليهود " ، وهي لا تمت بصلة الى اية مظاهر مسلحة او لوجود المليشيات في الشارع في ظل سيادة وسلطة وجيش " دولة القانون" ، وادعى القائمون عليها ان تظاهرات عروض المسرحية كانت تلقائية، ارادها جمهورهم وأصحابهم بيوم الجمعة الاخيرة من رمضان سلمية. كل هذا كان يُقال؛ رغم ان الملثمين وممسوخي الوجوه بسخام العملية السياسية واصحاب البدلات والعمائم السوداء كانوا يحملون كل انواع الاسلحة الخفيفة ونصف الثقيلة، ويجولون بها ببغداد بسيارات الدولة،  وبحرية وبحراسة وحماية قوات المالكي.
هذه الكذبة المالكية الجديدة لم تستمر سوى ساعات حتى انجلى المشهد المُمَسرح في فصله الثاني، وما قبل الأخير بتاريخ العراق، وعودة الى الارتباط مع نتائج الفصل الاول، وما جرى في ساحة التحرير كله يوحي الى ان اللحظة الاكثر حراجة بتاريخ العراق المعاصر قد حان أوانها بأحداث بدت متسارعة وتتجه نحو المجهول، وتكشف أيضا عن بوادر تنفيذ بشاعات لغزوات طائفية وفئوية مُعدة لصالح دولة الخروف الاخضر وكبشها الاحمق العنيد نوري المالكي.
لم تمر سوى ساعات على بدء عرض المشهد الثاني حتى انفجرت احياء مدينة الثورة والشعلة والحرية والكاظمية وغيرها من محلات بغداد في معارك شرسة باستخدام كل انواع الاسلحة قادها مُعمموا الطرفين، جيش الامام المهدي المنقسم ما بين صدريين يعارضون توجهات المالكي بالاستئثار المطلق بالسلطة ومرتزقة عصائب المالكي المنضمة لدولة القانون باحتماء البطاط الى بطانة "الدعوة" السلطوية.

المعارك تذكر العراقيين بـ " صولة الفرسان" في البصرة  وحروب " داحس والغبراء الجديدة " وكلها تتم بتدبير وتخطيط  بقيادة أصحاب العمائم الرمادية والرايات الصفراء والسوداء الجديدة بإمرة فيلق القدس الايراني.
هنا أخطأ المخرج "الواحد"، "الاوحد" في حسابات الادوار المناطة بفرقته الطائفية، وكذلك بكلفة العملية، وهو لم يكن كعادته ماهراً في التدقيق ولم يثق يوما ببراعة ممثليه وكفاءة منتجيه ومديري دعاياته ومخططيه ، وقد أخطأ اكثر من مرة حتى بات مسرحه يسمى " مسرح الأزمات" او " مسرح النوائب" ،وأكثر أخطائه فداحة انه ظن ان تبقى واجهة العرض في العراق اما سوداء او حمراء، فلا الوان أخرى يراها على المشهد العراقين.
يرى جمهور المشاهدين عن قرب ان نهاية هذا المسرح باتت قريبة وسوف يسدل الستار. مؤشرات ذلك امزر عديدة منها ان المالكي، ليتخلص من ورطته، ظن ان ذئاب السيرك الطائفي السائبة والخارجة من خيمة السيرك السياسي الطائفي وبقائها خارج الأقفاص سترهب الآخرين خصوما وحلفاء، ونسي انها لازالت شرهة ونهمة لشرب الدماء من اية جهة كانت، وهي لا تتدجن ابدا بالاوامر دون ان يدفع لها كثيرا من الامتيازات ، وهي عندما لا تجد ما تلتهمه من اشلاء الابرياء ستجد في لحوم أفخاذ عشائرها السياسية طعما اكثر استساغة، لذا ستسارع الى أكل بعضها بعضا ، وستأتي الى التهام واحراق خيمة المسرح كله وانهيار الهيكل كله ركاما من دون رجعة.

وان غدا لناظره قريب

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق