17‏/9‏/2013

يقولون ليلى في العراق مريضــة

ا.د عبد الكاظم العبودي
هكذا باتت أحوالنا عند الاستماع والمتابعة لأخبار العراق التي تصلنا تباعا على الهواء وعلى مقاسات الدقائق والساعات وهي متلفزة بشظايا الأخبار والبرقيات الدموية العاجلة ، نعود ونردد الموال القديم في مناجاة ليلى وعراقها، وبتنا نخجل ان نكمل  بقية المقطع لكي نقول ... يا ليتنا كنا من أطبائها .



أيحق لنا أن نتساءل في زحمة الانهيار الشامل للقيم في بلادنا : هل هناك من وطن تسكنه الفجيعة كما تسكن الفواجع العراق اليوم. ومع هذا فهناك لازال مسرح الفجيعة يقدم عروضه ويحتله أشباه الممثلين والمنتجين والمخرجين  وهم يملون علينا منادبهم.
كثرت مشاهد الفرجة حتى باتت المناكفات السياسوية القادمة من مشاهد ركح السيرك الشعوبي في المنطقة الخضراء بابا ونافذة للتسلية ومحاولة إستفراغ وقت مجانية لنسيان الهموم اليومية من خلال بث برامج الشماتة بالوطن اولا ثم تمرير خطاب لم ينحاز بعد الى جبهة الشعب ومعاناته حتى وان تضمن تشهيرا جزئيا بخيبة العملاء وشتمهم لبعضهم البعض من دون خجل وحياء، انه القرف السياسي بعينه وتجلياته اليومية.
ويبدو ان المسرح المفتوح في العراق على مشاهد الفرجة قد حصل على الإذن والتمويل والدعم طالما يخدم بعض الاطراف ومنها سلطة المالكي، وبات لهذه المهمة كتابها ومخرجوها وواضعي عناوين مسرحياتها الجديدة ووضع سيناريوهاتها المطلوبة. وها هم يفرضون علينا مواعيد العروض التي يقدمها أؤلئك الكوميديون السياسيون الأراذل ممن وصلوا الى وظيفة التعيين بمصلحة الانتداب البرلمانية كممثلين مترشحين لكيانات وأحزاب خرجت من المستنقع الطائفي الآسن لتنشط هذا المسرح اللا وطني الخائب.
قناة البغدادية وغيرها من القنوات التجارية يبدو أنها وجدت لها أبواب وأرزاق ومواد إعلامية متوفرة لتنشرها على مدى الساعات الليلية والنهارية ، وأضحت وغيرها من سائر الفضائيات تبيع ولاءاتها واستعدادها لتفضيح من يطلب منها تعرية خصومه، حسب الطلب ولخدمة من يدفع أكثر.
 تتصدر فضائية الشرقية المشهد الإعلامي بسياسة تضليلية لا يمكن فرزها تماما كخط معارض ومقاوم لما هو قائم في العراق وقد خلطت علينا بطريقة ديماغوجية إمكانيات الصفاء في الرؤية الوطنية الخالصة وهي تلعب عبر الكثير من عناصر خطابها الإعلامي لعبة الصد والغزل وحتى المراودة مع النظام القائم في العراق وكثير من رموزه الموغلة في الخيانة الوطنية.
وتبدو ضرتها فضائية البغدادية أنها باعت ولائها نسبيا رغم أنها لم تتمكن في يوم من الأيام ان تقف بحيادية بين ظروف الماضي والحاضر للعراق ، هذه المرة، جاء الدور المنسوب لها بوضوح إلى التعامل مع " كتلة الأحرار" والى واليها السيد مقتدى الصدر وقائمته ولجان تسييرها السياسية، التي ظلت تتباكى وتولول منذ فترة ليست بالقصيرة : من أنها القائمة الطائفية الوحيدة التي لا تمتلك وزراء في الحكومة، وليس لديها من شركات تجارية أو مصادر نفعية لها من الأموال.
ويذهب الصدريون  الى أن تيارهم وحملاتهم الانتخابية مبروكة  بحيث تم  فوزهم في الانتخابات النيابية والمحلية السابقة بفضل شعبيتهم وتعاطف الجماهير مع الصدر، اسرة وقيادة،  وهم لا يملكون لا فضائية ولا حتى إذاعة أو صحيفة ناطقة باسم التيار، ولأنهم الكتلة السياسية الطائفية الوحيدة التي ظلت تواجه منافسة وعسف وعزلة من قبل فضائيات أقرب حلفائها في الائتلاف الشيعي الحاكم، كقنوات "بلادي"  التي يمتلكها إبراهيم الجعفري و"الفرات" التي تعود ملكيتها لآل الحكيم ويشرف عليها مباشرة السيد عمار الحكيم، وغيرهم هناك الكثيرون من ابناء الطائفة ممن توزعوا بإداراتهم على فضائيات ناطقة بالعربية لكنها ظلت إيرانية الهوى وتتنفس الهواء صفويا خالصا، وتحمل مسميات عربية وعراقية تشي من خلال عناوينها بالبعد الطائفي والمذهبي المنحاز لإيران وحلفائها .
وبينما إستأثر نوري المالكي بهيئة الإعلام وسخر فضائيات ممولة من قبل الدولة رسميا مثل مجموعة قنوات "العراقية" وأخواتها. ولا شك ان النظام القائم وكياناته السياسية أدرك أهمية لعبة الإعلام والمناورة بها عند الحاجة ضد الخصوم أولا والحلفاء في العملية السياسية ثانيا تبعا لتطورات الموقف داخل العراق والمنطقة. كانت المهمة الأولى للعديد من الفضائيات الحكومية والتجارية والحزبية الخاصة في السنوات السابقة التمهيد لتسويق أخبار العملية السياسية التي كان يجري تشكيلها والسعي الى تشكيل رأي عام عراقي داخلي داعم  لها لإشعال الفتنة الطائفية وخدمة المشاريع الفيدرالية وتسويد صفحات العهد الوطني السابق والترويج المبالغ فيه لاكتشافات التنقيب عن المقابر والمجازر الجماعية ونعت المقاومة الوطنية بشتى النعوت اللا وطنية وتقليل اخبار فعاليتها وجهادها ضد جيوش المحتل الأمريكي وعملائه ووسم المقاومة الوطنية الباسلة بنعوت وتصنيفات أمريكية المنشأ والتوجيه، اتسمت بغرابة المصطلحات والمسميات، كالحديث عن "مقاومة شريفة" وأخرى "غير شريفة"  وتقسيم العراق ومقاومة الشعب العراقي الى جهويات بغيضة كالحديث عن مناطق مثلث الموت والمثلث السني وتهويل أخبار الدولة الإسلامية في العراق، وتناقل أنباء اعتقالات خلفائها وولاتها واعترافات من وصفوا بالإرهابيين ومرافقة القوات العسكرية والقمعية في حملات التنكيل بالعراقيين في كافة محافظات القطر، وحرصت تلك الفضائيات على ربط أخبار الجهد الوطني العراقي المقاوم بأخبار تنظيمات القاعدة ووسم الجميع من دون فرز أو إستثناء  بالإرهاب... الخ..
تلك الفضائيات ظلت ناكرة ومتنكرة لحقوق العراقيين في المقاومة المسلحة والسياسية وظلت، ووفق التوجيه الأمريكي والإيراني لها، مرددة ما يملى عليها وما يباع لها من فواصل الإعلان والإشهار التجاري لبيانات وأخبار وتحقيقات صحفية تتم بالتكليف وقبض الثمن المطلوب.
وعندما اقتربت ساعة رحيل المحتلين لاذت كل فضائية منها بمحمية عربية او نفطية لتبث من خارج العراق مديرة ظهرها لأخبار المقاومة وكفاح القوى الوطنية المنضمة لها وفضلها في إجبار قوات الاحتلال الأمريكي على الانسحاب من العراق وإلحاق مشروع الغزو الإحتلالي هزيمة عسكرية وسياسية مجلجلة.
ومن خلال هذا المنظور وغيره ظهر نوع جديد من الإعلام العراقي الغريب في توجهاته ومقاصده، وأصبحت الأقلام الصحفية الوطنية لا تتوانى عن تسميته بإعلام "الحواسم" ، إشارة لما تم نهبه من المعدات والوثائق والأرشيفات والموجودات التي كانت في المقرات الحكومية التي استباحها المحتل ووزعها على حلفائه وأتباعه.
وهكذا نبتت طفرة طفيلية جديدة وسط إعلامنا العراقي تنكرت للقيم الوطنية والنخوة لما يجري في العراق، وبات الكثير منها شريكة في الامتيازات والهبات والحملات المنظمة ضد خصوم الاحتلال من خلال ما يُقدم لها من الدعم المالي والتقني والتدريبي وإستحصال الرشى والتسهيلات وتأشيرات السفر  ومضاعفة فواتير الإعلانات والوصلات الإشهارية تحت باب الخدمات، فتكاثرت وتغولت وتحولت من خلال مسمياتها إلى فضائيات عراقية وعربية بات يمتلكها كبار التجار وأصحاب مشاريع توظيف المال السياسي والتف بجوارها وحولها دعاة فصل الأقاليم الشيعية والسنية والكردية والتركمانية... الخ.حتى بات القول صحيحا: إن تحت كل فضائية طائفة ومساحة مرشحة للتقسيم والانفصال عن العراق.
وهكذا الأمر لا يختلف بين فضائية وأخرى ومنها فضائية عون الخشلوك ، التي سوف لا تخسر شيئا عندما تجد مثل تلك الفرص المؤآتية لها للدخول في مسابقات وتنافس أركان البازار الإعلامي المحتدم في عمليات بيع وشراء الولاءات الطائفية وتجاهل الخطاب الوطني الرافض للاحتلال والطائفية معا، تسابقت الفضائيات لتمرير خطاب من سيدفع أكثر.
 قناة الخشلوك ومجنديها من عماد الطائي وأنور الحمداني وكاظم المقدادي وعبد الحميد السايح ما بين مقر البغدادية في القاهرة ومكتبها في لندن وغيرهم كثيرون سوف لن يخسروا شيئا إن تمكنوا من توظيف الخلافات المحتدمة بين لصوص وقراصنة وسماسرة العملية السياسية للتأثير على مستقبل أصوات الانتخابات المنتظرة في ربيع السنة القادمة.
باتت البغدادية ومثيلاتها تهتم بمشاهد نقل المعارك الهامشية والاستمتاع بتوصيل صور نتف ريش ديكة ودجاجات العملية السياسية وصراعاتهم المتلفزة في أكثر من برنامج وتصريح سواء من داخل قبة البرلمان أو من خارجه، وهذا يتماثل مع ما يقوم به الإعلامي فيصل القاسم في برنامجه الأسبوعي الشهير" الاتجاه المعاكس" وبعض برامج الحوار كالرأي والرأي الآخر والمقابلات المحبوكة بمهنية عالية في قناة الجزيرة القطرية والعربية والميادين والمنار والعالم.
وهكذا تتوزع كتلة المشاهدين داخل العراق وخارجه هذه الأيام على قنوات الشرقية والبغدادية والحرية والرشيد والبابلية وتتلوها مجموعة أخرى من القنوات كل منها يغني على مواله وليلاه، من أمثال الفضائيات الأخرى كالفيحاء والفرات وبلادي والسلام والسومرية والديار وغيرها، أين نرى ونشاهد أكثر من برنامج يحاكي لعبة "الاتجاه المعاكس"  وتنهش بعضها بعضا لغايات مقصودة ومبيتة.
وفي ظروف انعدام المعايير الإعلامية والحرفية المطلوبة يجري التسويق لمقولة حرية وتعددية الإعلام والديمقراطية في العراق، ومنهم من دغدغ غرائزه بالاعتقاد الواهم إن الإعلام في العراق بات يشكل " السلطة الرابعة" في حين أن استبداد نوري المالكي لم يترك خطا فاصلا بين سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية في العراق، فأين حدود السلطة الرابعة  الوهمية في العراق  يا ترى ؟ .
أصبح الإعلام في العراق مجرد سلعة تخضع للعرض والطلب وساحة لثرثرة إعلامية فارغة، يختلط فيها الحابل بالنابل، ويركز البعض فيها على أخبار الفضائح والتصريحات، وخاصة ما ينقل عن منصة اللغو البرلماني وكافتيريا البرلمان والاهتمام بمناكفاته الفارغة، أما الحديث المحتدم اليوم على شاشة أكثر من فضائية عراقية عن الفضائح  السياسية والاقتصادية، وحتى الأخلاقية، فقد كثرت وتصاعدت، ولم تعد تجد من يسمعها وينصت إليها لمحدودية التواصل فيها وارتباطها بظرف سياسي أو انتخابي معين.
وهي في يقيني لم تعد فضائح يمكن توظيفها لإسقاط وعزل فاعليها ، كما هو الحال في دول الغرب الديمقراطي التي غالبا ما تنتهي بإسقاط الحكومة وإنهاء أدوار الشخصيات والأحزاب والكتل المشكوك فيها بالعرف الإعلامي والسياسي المعروف، لان مروجي تلك الفضائح وأبطالها في العراق، وحتى أصحابها وصويحباتها، باتوا يبررون جُرم أفعالهم بصفاقة قل نظيرها، وهم يعتبرون السرقات والنفوذ السياسي والإعلامي وإتمام الصفقات المشبوهة حرية  وخيار، بل حق "ديمقراطي" مشروع، وما خفي على البعض  من الفضائح من دون نتيجة وعقاب لأصحابها صار مثار جدل وتداول ونكتة مرة للتداول عند العراقيين والعرب الآخرين.
هناك من يعتبرون تلك الصفقات والسرقات والاختلاسات الكبرى حقا من حقوق المُحاصصة ومغانم التشارك في الحكومة والسلطة والبرلمان، وهم يعتبرون السرقة والاختلاس والهيمنة على  المال العام عملية تعويض عن ما فاتهم من فرص سابقة، بسبب هروب البعض الى خارج العراق، وهم يتحدثون عن امتيازات مكتسبة حتى بالتقادم، ويحللون شرعا وقانونا ما يدخل أرصدتهم وجيوبهم من منهوبات الدولة العراقية التي باتت بالنسبة لهم ولأحزابهم حقوقا وامتيازات مبررة لهم شرعيا وسياسيا. ويتم الاستيلاء عليها عبر وسائل عدة، بما فيها شراء الرتب العسكرية والوظائف العامة والشهادات الجامعية والتنسيب إلى السفارات واختيار الوزارات بالمال، ومنها التهديد بسلاح المليشيات وقمع عصابات الجريمة المنظمة، أو عبر مساومات وصفقات واتفاقات تتم في السر والعلن ويغطيها الإعلام المرتوق، حتى وصلت الأمور إلى درجة الغواية والاستدراج والإسقاط وارتكاب فواحش الخيانة وارتهان وبيع مصير الأوطان بكل خسة ودياثة.
كما أصبح قبول تغيير الولاءات السياسية المحلية والإقليمية شطارة لأصحابها، كل ذلك يجري حسب الطلب، وبتغطيات من الإعلام الأجير بالمال السياسي، سواء تم ذلك مباشرة أو عبر الوسطاء الحاضرين للسمسرة في كل صفقة سياسية، منها كانت أو تجارية.
هؤلاء جميعا باتوا مستعدين لنشر الغسيل القذر والتراشق بملفاته وبعض وثائقه لبعضهم البعض، ولأنفسهم ولخصومهم، وحتى لحلفائهم في الائتلاف والكيان السياسي الواحد. وتبقى تحركاتهم في حدود معينة محكومة بأكثر من عامل وظرف وتوقيت، تتحكم فيها قوة السلطة المالية والسياسية والقمعية أو حتى من خلال الانتماء والاحتماء بالجماعة السياسية او العصابة المافيوية المغطاة بحماية مليشياوية أو مرجعية ما.
لكل عصابة فضائياتها المملوكة أو المؤجرة  التي يمكن أن تمرر لها الاتهامات والتهجمات ونشر الفضائح ضد من يستهدف من الاشخاص والتنظيمات والهيئات من خلال إيجار أو امتلاك فضائية ما بكل عتادها وصحافييها ومكاتبها وأرشيف أفلامها وحتى تحقيقاتها الإعلامية المعدة أصلا لخدمة كل صفقة وحسب الطلب والثمن المقدم.
ولما كانت التنظيمات المافيوية والإجرامية قد تعلمت من تجارب بعضها البعض وباتت تعرف حدود لعبها في أية ساحة تتاح لها الفرصة فانها تتغافل عن بناءات الهرم السياسي والاقتصادي المطلوب انجازه للدولة الطائفية وفي التلاعب بقواعده الاجتماعية، لذا فإن تلك المافيات تعي ما ستفعله في حقل السياسة والإعلام والممارسات الإجرامية الموضوعة على أجندتها ضمن ما يسمى " اللعبة الديمقراطية" .
تعلمت عبر السنوات الماضية فنون الاشتباك وفضه مع غيرها وفي تفادي الاحتكاك المباشر خاصة مع صناع القذارة السياسية الجارية في العراق سواء من الخارج أو من الداخل، لذا تخشى بعضها التورط المباشر والإيغال في الفضح الكلي للخصوم الذين يراد تعريتهم وإحراق أوراقهم سياسيا والاستعداد الضمني لإدارة عمل وآليات ومصالح تلك القمامات السياسية التي جلبها الاحتلال الأمريكي معه في ربيع 2003 ، خاصة تلك المجموعات التي التحقت بالسلطة الاحتلالية ووضعت مشروعها على عجل للالتحاق بالعملية السياسية التي وضعها لهم بول بريمر، وسارعت بعضها إلى تشكيل واجهات لتنظيماتها السياسية، خاصة تلك التي ظهرت على مسرح المشهد السياسي العراقي ما بعد الاحتلال الأمريكي لبغداد مباشرة.
بعد عشر سنوات من الاحتلال، واستمرار تساقط وفشل العملية السياسية وتعفن رؤوسها تسلطت بعض من تلك المجموعات الطائفية والإثنية على هرم السلطة، وفطن هؤلاء الطارئون منهم على الحكم في العراق إلى أهمية التوظيف الإعلامي والإسراع إلى امتلاك الفضائيات أو محاولة تأجيرها عند الحاجة والضرورة،  فكان الدور المناط بها أولا : هو توظيفها في دعم العملية السياسية الجارية وتلميع وجوه نشطائها القادمين مع دبابات الاحتلال، والعمل على تسويد صفحات القوى الوطنية المواجهة للاحتلال واتهامها بالإرهاب وشيطنة صورتها ورجالها لدى المواطن العادي، والشروع في تمرير الصفقات السياسية الجارية من انتخابات وإصدار تشريعات وإضفاء مساحيق معينة على بشاعات الوجه اللا الديمقراطي والمفضوحة  أمورهم على كثير من الممارسات المشبوهة التي جرت في العراق، كالانتخابات وتشكيل المجالس والهيئات والمفوضيات،، استغفالا لوعي البسطاء وعوام الناس والتمويه على ما يجري فعلا في العراق من تصاعد المقاومة الوطنية وقرب إجبار المحتلين على الرحيل.
وهكذا تجاهل مثل هذا الإعلام  كلية وجود قطاعات وطنية عراقية مقاومة للاحتلال، تتعارض في توجهاتها مع ما يجري تنفيذه في العراق باسم الديمقراطية والدستور والتعددية الإعلامية والسياسية. وعندما فشلت العملية السياسية تماما وارتفعت المطالب الشعبية يوما بعد يوم، وتصاعدت الإرادات الوطنية من اجل التغيير وإرساء معالم لإصلاح سياسي وطني حقيقي والقيام بمصالحة وطنية والشروع الجاد لبناء البلاد وإنهاء الحالة الشاذة وسيادة أوضاع الطوارئ التي فرضتها ظروف الاحتلال وسياساته .
ظل الإعلام الأجير والمشبوه يظلل وعي المواطن ويحاول أن يكرس عزلته عن القوى الوطنية الفاعلة وخاصة قوى المقاومة التي ظلت صامدة بعد الانسحاب الأمريكي والتي لم تنجر إلى ممارسة الإرهاب او التورط بردود الفعل الجهوية والطائفية والإثتية، ولم تقبل التهافت على المغانم الوهمية، إن وضعت سلاحها المقاوم، واندمجت بشروط عملاء المحتل ضمن ما يسمى "العملية السياسية" .
ومع تفاقم فشل تلك العملية السياسية وسقوط المشروع الطائفي لتقسيم العراق التحقت بمواقف المقاومة قوى شعبية صاعدة ومنتفضة ضد مظاهر الفساد الإداري والمالي ومعالم الظلم الاستبدادي السلطوي الجديد وانضمت إلى هذا الموقف الرافض للواقع العراقي الجديد قطاعات واسعة من الشعب العراقي عانت من أساليب القهر والحرمان وغياب فرص العمل السياسي المتكافئ .
لكن الإعلام الخاص ظل يتجاهل تطور مظاهر السخط الشعبي المتولد غضبا ضد شيوع حالة التدهور الأمني وتصاعد حملات الإرهاب في العراق يوما بعد يوم ، وبهذا كشف مثل هذا النوع من الإعلام  عن  حقيقة تواطئه مع المظالم السلطوية وارتباطاته المشبوهة بها ، وحتى الانتماء إلى كل ما يريده منه محتلوا الأمس واليوم بتكريس ودعم شريعة الغاب وتدعيم مصالح ذئابها الجدد من الذين تركهم الاحتلال، كسلطة  قمعية ناهبة لخيرات البلاد، وهي مرتهنة بمخططاته واتفاقياته الأمنية.
ويبدو أن الورقة الرابحة هنا بقيت بيد حفنة من الحيتان الكبيرة ، وخلفها عدد من الكيانات السياسية الطائفية المتظاهرة بالوطنيات وتدجل بشعارات الورع السياسي والاسلاموي، وتبالغ في الادعاء في الزهد عن المغانم والطمع بمكاسب السلطة، وهم في الحقيقة مجرد كتلة طفيلية صاعدة على أساس من تطلعاتها في ممارسة الإجرام بكل أنواعه، وبرزت منها مجموعات من محترفي تجنيد الاحتراب الطائفي في العمل السياسي وتعمل تحت إمرة أيادي وإدارة المافيات الجديدة التي دربها ونصبها الاحتلال الأمريكي لتصفية الجذوة والطلائع الثورية لشعب العراق وهدم معالم كيانه الحضاري والاجتماعي ومؤسسات دولته الوطنية.
في كل هذا السجال الإعلامي المحتدم بدأ الفرز الوطني الواضح يتجه بوعي الشعب إلى رفض المساومة على الحقوق الشعبية والوطنية واستقلال البلاد والاستبداد والاستئثار بالسلطة وفرض نمط دكتاتوري واضح المعالم، وهكذا بدأت الإنزياحات الاجتماعية المتتالية تعزز هذا الفرز وتفضح من أمر الأقزام المتسلقين على حيطان المنطقة الخضراء ومؤسسات الحكم الجديد، وبات مصير تدافعهم يشير إلى الصراع والعمل على تقسيم العراق، ويزداد هذا النزوع كلما تفسخت هيبة الدولة وتفكك النظام أمام سطوة المليشيات ونفوذ إيران الذي بات من أهم العوامل الفاعلة على تسريع تفكك بنيات أطراف العملية السياسية والنظام الذي بات مرشحا للسقوط في أية لحظة أمام الهبة  والانتفاضة العراقية.
يظن البعض من هؤلاء إن الأمر سيبقى مكفولا بالتكتم والسرية على أدوارهم  القذرة، وكذلك ادوار الآخرين المتحالفين معهم ضد إرادة الجماهير الشعبية والساعية إلى خدمة الاحتلال وبدائله الإقليمية وافتضاح تكريس النهب لكل مؤسسات الدولة، لذا نراهم  يسارعون ويجتمعون بعد كل افتراق ويوقعون على شاشات التلفزة ما أسموه نفاقا بمواثيق الشرف ، مدعين في الوقت ذاته بقائهم أوفياء لشروط المحتل الأمريكي والنفوذ الإيراني المتصاعد في العراق كتأكيد على استمرار مواقفهم الشائنة .
ويلاحظ أن الأوضاع، حتى هذه اللحظة، بقيت بيد زمرة المالكي وحزبه وتحالفه الطائفي، ولأن الجميع يخفون أوراقهم حول مخازيه وصفقاته وإجرامه ونذالاته السياسية ولانتظار ظرف سياسي ما يسمح لهم،  فقد لعبوا معه لعبة " استرنا .. نسترك" .
وبطبيعة الحال إن لمثل هذا الموقف الانتهازي سيكون هناك ثمن مدفوع، هو ثمن السكوت على المخازي والآثام القائمة والمرتكبة خلال العشرية الدموية السوداء. فكانت المحاصصة هي تقاسم ريع الدولة والتكافل على نهبها بأساليب وطرق وممارسات تعرفها عصابات المافيا المحترفة في تمرير الصفقات بينهم وتقاسم المغانم المالية والسياسية.
ويبدو أن الكثير من الأوراق حول الفساد الذي نخر كل شئ في البلاد لم تعد هناك قدرة على التكتم حوله ولا يمكن إخفاء ما كان يجري من أساليب تسيير أدوات الجريمة المنظمة في طول البلاد وعرضها وصلت الحالة الى حد ممارسة العنف والإرهاب بشكل متقن والاستمرار في تنفيذ الاغتيالات وتوسيع مساحات التفجيرات التي صارت ممارسات ومحاصصات تنفيذية يومية للانتقام والابتزاز تقوم بها كل الأطراف المتشاركة في بنية النظام والسلطة، بتعاون وتنسيق مركزي له أطرافه وتابعيه بالوكالة وبخبرات الدولة الإيرانية  وأجهزتها التجسسية والعسكرية واختراقاتها الأمنية   .
وقد تكون بعض الأوراق المتسخة بسجلات الجرائم لكثير من الأطراف لازالت بيد نوري المالكي، وهو يتصرف بها للابتزاز وشراء الذمم وتكريس الولاءات والتحالفات والمناورات المطلوبة عبر البرلمان وأعضاء الحكومة، ويسربها إلى هذا الطرف أو ذاك عبر مجموعات من الأذناب والوكلاء والتابعين والانتهازيين، وفي كثير من الحالات نراه يلوح بها بابتزاز الخصوم والحلفاء في آن واحد، وهي تهدد بتصفية كل من سيقتحم عليه بجد وحمية ونخوة وطنية إحدى الفضائيات ويفضحه على المباشر بما اقترفت يداه من جرائم واختلاسات اقتصادية ضخمة.
وكما تفعل هذه الأيام كتلة الأحرار وجماعة التيار الصدري التي انتفخت جيوبها من أموال المحاصصات والسلب المافيوي الذي مارسته عصاباتها في اغلب السنوات السابقة، وبإمكانها اليوم أن تمارس بحق المالكي بمثيل أفعاله بهم، وكما يريد هو بابتزازهم به من فضح لعدد من الملفات التي يجمعها عليهم وعلى غيرهم، وخاصة المسائل المتعلقة بقضايا الإرهاب والخطف والاغتيالات وعمليات النهب المنظمة وسرقة الأموال العامة والهجوم على البنوك وابتزاز المقاولين وشركات الاستثمار في العراق ونهب ميزانيات الوزارات المرتبطة بهم.
وبما أن التيار الصدري يظل يطرح حرمانه من امتلاك الوسيلة الإعلامية الخاصة به والناطقة باسمه فانه لم يتوان عن تأجير محطات وفضائيات وصحف ومواقع الكترونية مستعدة للتعاون الظرفي معه، وفق صيغة ما لا تفضح أصحابها، ولا تُحمل التيار الصدري وجهات نظرها.
ويبدو ان بث العديد من الساعات والبرامج والتصريحات والتغطيات والأخبار المنتقاة وفق صيغة ما قد حققه التيار الصدري عبر العديد من الفضائيات، وخاصة في تعامله مع فضائيات الشرقية والبغدادية وغيرها التي تعاونت مع جماعة التيار الصدري والاندراج في خلافاته مع نوري المالكي مقابل الحصول على شئ من المال والغنائم والإعتلاف من أجزاء فتات الكعكة القادمة في الانتخابات النيابية القادمة .
بات الظهور بمظهر المعارضة لتلك الفضائيات وعدد من صحافييها مريبا وغامضا أمام قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي والعربي.
باتت القضية الوطنية في العراق بكل مأساتها وعمق جراحها ومخاطرها وبكل فصولها المأساوية تتراجع في الحضور المطلوب نسبيا في أُتون مثل هذا الزخم والتنافس الإعلامي التجاري المشبوه الذي يحاول ان يسلخ قضية إسقاط العملية السياسية وإدانة عملاء الاحتلال وإلغاء الدستور وما شرعه الاحتلال والحكومات العراقية المتعاقبة في ظل الاحتلال عن جوهر الصراع الفعلي المحتدم في العراق، خاصة بعد تصاعد وضع الانتفاضة في المحافظات الوسطى والشمالية وامتدادها نحو محافظات الجنوب وتصاعد النقمة على حكومة المالكي وفضائح العملية السياسية جاء دور الإعلام الأجير لتحويل الانتفاضة الوطنية إلى قضية ضد تقاعد أعضاء مجلس النواب ومن ثم تحويلها إلى مجرد قضية مركزية بدلا من القضايا الساخنة الأخرى وإحالتها في الإخراج النهائي كمهاترات شخصية بين حسن وحسين،  أو بين الحسنين وهي في الحقيقة خلافات بدأت تتصاعد بين فئات حزبية وبين أجنحة وكيانات لائتلاف التحالف الوطني الحاكم ، ومن خلال أجواء إطلاق عبوات من الدخان المفتعلة يتراشق به بعض الأتباع والأنصار لهذا الفصيل أو ذاك عبر بعض الأدوار الثانوية الموكولة لهم، ومن خلال تضخيم أصداء الندوات والتصريحات التلفزيونية لبعض الأسماء وأزلام ونسوان العملية السياسية المنهارة والآيلة للسقوط أصلاً.
وبهذه الوسائل والإخراج للملهاة القائمة يتعمد مثل هذا الإعلام تجاهل مأساة شعبنا وتطلعه الى الثورة وغلق تبعات ملف الغزو والاحتلال الأمريكي نهائيا، وهي باتت قضية شعب عراقي بكل طوائفه ومحافظاته وإثنياته يتطلع بروح الوحدة الوطنية إلى الحرية واستعادة الاستقلال الوطني وكنس سلطة العملاء، رافضا تعمد إدارات الإعلام التجاري والمؤجر تمييع مطالبها التحررية وتحويلها إلى مجرد حالة طارئة من الخلافات الشكلية ومعها عرض حالات التراضي المؤقت والدائم لمجموعة من حثالات السلطة وكأنهم القدر المسلط على مستقبل العراق وصيرورة أجياله.
إن التعايش الإعلامي مع وضع الرداءة والفساد وتكريس وضع المحسوبيات الطائفية والعمل على التأييس المقصود للجماهير المعذبة وفرض قبول الأمر الواقع في بقاء العملية السياسية التي كرسها الاحتلال الأمريكي ويدعمه فيها النفوذ الإيراني وامتداداته الطائفية والتعامل مع الأحداث على أساس أنها جزءا من ممارسة الديمقراطية وحرية الإعلام في عراق ما بعد الغزو، ينزع عن تلك الفضائيات وأصحابها مصداقية ما تدعيه من وطنية خلافاتها مع بعض رجال سلطة الاحتلال وحكوماته المتتالية .
وهكذا باتت ثروات العراق وحرية شعبه مجرد مناوشات كلامية تتحدث فيها بعض النائبات والنواب في مناسبة وأخرى،  ويجري الحديث عن أرقام بائسة من الأموال والثروات المنهوبة التي سرقت من خزانة الدولة العراقية ، بدءا بتضخيم مبلغ أربعة ملايين دينار عراقي صرفت لفاتورة الهاتف المحمول للمدلل الصغير حسن علي الشلاه، وصعودا إلى ما قيمته 15 مليون دينار لعلاج اضلاع  النائب جواد الشهيلي، ومبالغ أخرى لعملية تحسين وضعية فك ووجه احد نواب القائمة االعراقية ولعدد من سفرات استجمام وعلاج للنواب خالد العطية وكمال الساعدي، وآخرين حملتهم بشبهاتها أبحاث وقوائم النائبة حنان الفتلاوي، ولكنها تقر علانية بانها تمارس لعبتها وفق مبدأ الكيل بمكيالين عندما يتعلق الأمر بأعضاء كتلتها وغيرهم من أعضاء الكتل الأخرى، فالفتلاوي أقرت مشروعية خالد العطية وكمال الساعدي في الحصول على أموال الدولة بحجة العلاج الطبي، وتوقفت بالتشهير ضد حالة  جواد الشهيلي الذي بات هو المتهم بالتزوير وتقديم أوراق مشبوهة من مستشفيات معينة للحصول على المال، وهو بالمقابل اتهمها بالسطو المنظم على وثائق مجلس النواب وفبركتها وتزويرها وكذبها ووعدها بفضائح أخرى لا يعرفها الا الله والمالكي والراسخون في عمالة العملية السياسية وأرشيف ملفاتها المشبوهة.
كل هذا الضجيج يتم بصراخ وعويل وندب عبر البرامج التلفزية المدفوعة الأجر، في حين يجري تناسي سرقة مئات المليارات من الدولارات الأمريكية وما يقابلها من أرقام فلكية وخرافية من تريليونات الدنانير العراقية التي كنستها وشفطتها جيوب الحاكمين الجدد من خلال السمسرة ونسب معينة من إتمام صفقات السلاح والنفط وفواتير البطاقة التموينية والدواء ومخازي انجاز مشاريع الكهرباء وما يصرف على ما يسمى بالجيش والقوات الأمنية وارتفاع مخصصات الرئاسات الثلاث ورواتب أعضاء مجلس النواب وذوي الدرجات الخاصة.
السؤال هنا لمن يؤرقه وضع ليلى في العراق ؟ وحالة مرضها  المتواردة الى الخاطر في عنوان مقالتنا هذه .. ما الذي يحرق حمام الناعبة حنان الفتلاوي هذه الأيام؟  ولماذا تتناسى سرقة مليارات الدولارات وافراغ البنوك العراقية من قبل حزبها وقائمتها الحكومية ودور مسؤوليها الدعويين والإسلامويين لتتحدث لاهثة عن أكوام تافهة من أوراق الدنانير العراقية البائسة القيمة الفعلية، والتي يوزعها أمثال اسامة النجيفي على نواب الكتل المختلفة، وهي مبالغ عند مقارنتها لما تلتهمه كتلة القطط السمان في حكم العراق لا تستحق حتى أن تكون أعشارا من الصفر وأوراقا غير مفيدة حتى للمسح الصحي في دورات المياه العمومية ، مقارنة بتريليونات  الدنانير العراقية من المبالغ المختلسة والمحولة الى بنوك الخارج عبر شبكات تبييض الاموال وشراء العقارات في سعفة دبي وأسواق وبورصات الإمارات وطهران وبيروت وعمان ولندن وكندا والولايات المتحدة.
هل كُتب علينا أن ننتظر دقات عقارب الساعة التاسعة كل مساء في استوديو البغدادية أو انتظار حلول تقديم  السحور السياسي الرمضاني أو حصة المدفع  في الشرقية او ساعة حرة  في الحرة  عراق الأمريكية أو " قضية رأي عام" او " المنجز"  لنجلس مع كل حصة من هذه الحصص في ساعة تلفزية من الفرجة المجانية، بالنسبة لنا، والمكلفة على الوطن نراها ونحن متكئين في مقاعد بيوتنا كي نشاهد فصولا من حلقات المسرح الكوميدي المبكي في "عراق ما بعد التحرير" ، وكأننا ارتضينا القبول طواعية بمثل هذا الجلوس على نهج ومدرسة  المسرح المصري التجاري القائل " الجمهور عايز كده". . وجمهورنا لم يطلب هذا لا في شعاراته ولا بمظاهراته واعتصامات جماهيره منذ اشهر.
بين افراد كل كومبارس مجند ناعق وناطق باسم كل قائمة أو كيان سياسوي هناك غراب أسود، وهناك من يتقدمون وحسب الأدوار المرجوة، ويتم اختيار الفضائية المؤجرة لتصبح بوقا للنعيق وتتحدث باسم الوطنية والوطن.
ميسون الدملوجي وعالية نصيف ومنى الدوري وحنان الفتلاوي أخذن حصة الصوت النسوي وتقاسمن وتعاقبن على منصات ميكروفونات المنادب والمنابر السياسية في المنطقة الخضراء، ويقابلهن من الرجال صباح الساعدي وبهاء الأعرجي وحاكم الزاملي وجواد الشهيلي وأجواق من الإعلاميين والمستشارين ومنتجي الحصص الخاصة من موظفي  الفضائيات الموظفة في كل حملة مسعورة. كل فضائية باتت مميزة في صوتها وخطابها، ولا يحتاج المرء والمشاهد الفطنة والاختصاص لكي يعرفها ويحدد بوصلتها ومرامي سقوط حجرها في المستنقع الراكد حول المنطقة الخضراء، ولا يحتاج المتابع المنصف إلى وضع تصنيف طائفي لها، فكلامها ومفرداتها يفرزها من خلال نصوص مقدمات الحصص ومفرداتها والرسائل الإعلامية التي يتم تمريرها قدحا وذما وحتى مدحا بالآخرين، وطالما أن المبدأ التجاري والتوظيف السياسي لأية فضائية يفضح دوافع الصفقات التي باتت واضحة لكل المشاهدين، والناس في العراق على درجة من الوعي الوطني قادرون على الفرز والتمييز بين خطاب وآخر، باتوا يعرفون مسبقا توجهات تلك الفضائيات ويتوقعون مواقفها الحقيقية ومدى جدية التزامها وتمسكها بالموقف الوطني أو انحيازها الى ذلك الموقف الطائفي أو الإثني والقومي، وحتى مدى مصداقية كل حملة من تلك الحملات وما ستذهب إليه من مقاصد ونهايات.
هذه الفضائيات غيبت البعد الوطني في معالجة جذور الفساد السياسي والإداري والمالي وأدارت ظهرها للمكافحين من أبناء الشعب العراقي من اجل الحرية واستعادة الاستقلال وإعادة إعمار وبناء العراق وتحقيق وحدته الشعبية والترابية وقطع الطريق على مؤامرة تقسيم العراق ونهب ثرواته الوطنية.
هل وصل الأمر بجمهور وشعب العراق، المكتوي بالقمع وحملات العنف والإرهاب وبجمر حرائق التفجيرات وحملات التهجير الطائفي والإثني وتمادي حكومة المالكي بتسيير الحملات العسكرية والأمنية في ما يسمى "صولات الفرسان"  و " فتوحات مختار العصر والجرذان "  وتتم عمليات القمع بحق الأحرار بمختلف المسميات، منها عملية " الانتقام للشهداء"  للإبقاء على ديمومة وسلطة حكم فاشي متخلف قادم من مجاهل التاريخ الإنساني وظلامياته المقبورة.
هل يكتفي جمهورنا بعد كل ما رآه في قمع السلطة في تظاهرات 31 آب 2013  بالانزواء وراء لحظات من النكوص في الاستمتاع المرضي بمشاهدة مثل تلك البرامج الممولة والمشبوهة لكي يشاهد ملايين الناس مناظرات تافهة بين جواد الشهيلي وحنان فتلاوي، وكلاهما ضمن تحالف سياسي طائفي واحد حاكم.
كل واحد منهما لا يتعدى رصيده الانتخابي بضعة أصوات لا تتعدى المئات، وهم المتسلقون إلى كراسي مجلس النواب عبر ذيول القوائم الانتخابية المنتفخة بكل أنواع السرطانات السياسية والأخلاقية ليتحدثوا عبر الفضائيات عن فضائح بعضهم البعض ، ويطرحون أنفسهم، ظلما وبهتانا، باعتبارهم "ممثلي الشعب" وهم المدافعين عن ثرواته وعن "حقوقه"  التي داست عليها قوائمهم السياسية الطائفية الموحدة في ائتلاف عنوانه  "التحالف الوطني".
أي شعب هذا يرتضي بمثل هذا المشهد وتفرض عليه مشاهدة أهوال الدم المسفوك على أديم العراق الصابر  ويرى صور الجثث المتناثرة مع شظايا السيارات المفخخة والعبوات الناسفة التي تختزل بصورة ولقطات عن أكوام من أحذية الضحايا منقوعة ببرك الدم على الأرصفة والأسواق وسط شرائح اللحم المثروم.
ذلكم هو الدرس الأمريكي الذي علمته لهم احترافية نقل الصورة رائدتهم الفضائية الأمريكية "السي أن أن " وتلميذاتها النجيبات كالجزيرة القطرية والعربية .
هل كتب على هذا الشعب المنكوب ان يرى هذه الملهاة المرة تمرر فصولها عليه كل يوم في برامج يتحدث فيها حفنة من الأميين ومزوري الشهادات وكبار اللصوص والخونة ولقطاء سقط المتاع من حواسم الإعلام الحكومي؟
هل كتب على شعبنا مشاهدة نواب المضبعة الخضراء، والذين لم نسمع عنهم يوما الا وكانوا باعة متجولين ونصابين وتجار شنط ومتسولين في إقامات بلدان اللجوء منتشرين لتقديم خدماتهم في بلدان المعمورة بدءا من نوري المالكي وخضير الخزاعي وبهاء الأعرجي وبيان جبر صولاغ ويتبعهم من داخل العراق أمثال حاكم الزاملي وجواد الشهيلي؟ وما مناظراتهم ووثائقهم الطرزانية المعروضة على شاشات البغدادية والشرقية وغيرها من الفضائيات المتكسبة بهم إلا كشف الوجه البشع من جوانب اللعبة المشتركة مع السلطة، يقابلهم آخرون من الخائبين في مجلس النواب ممن يجلسون في صالونات واستوديوهات قناة الشرقية الذي سمته بمضيف "السيد الرئيس" يدير ثرثرته السياسوية الخائب السابق محمود المشهداني وحفنة من النواب وهم يندبون في حواراتهم الحظ العاثر للعملية السياسية ومستقبلها ويحاولون ترقيع فتوق أرديتها الرثة التي تهتكت من كل جانب وصوب وكشفت عن عوراتهم من دون تمييز، وفي اقل من دورتين انتخابيتين مشبوهتين .
واذا كانت قائمة "إعتلاف" المالكي، كما يسميها العراقيون في مجالسهم وأحاديثهم، قد نهجت طريقا غريبا في العمل السياسي واكتسبت تسمية جديدة هو " إتلاف دولة القانون "  من خلال مهمتها الأساسية الموكولة لها فعلا بتنفيذ "الإتلاف" لتصفية القوانين والتشريعات للدولة الوطنية العراقية السابقة وقد استحوذت على الجيش وقوات الأمن وتدير من خلالهما المليشيات ومجالس الإسناد والصحوات وحتى التنسيق مع شركات الحماية الأمنية الخاصة بما فيها الأجنبية المتمركزة في السفارة الامريكية والشركات العاملة في العراق بوظائف عدة،  كتلة "إئتلاف دولة القانون"  واصلت تشريع جرائمها بحق أحرار الشعب العراقي ومطاردة قواه الوطنية ورجال مقاومته الباسلة ضد قوات الغزو والاحتلال الأمريكي، وهي التي شرعت لأجل ذلك قوانين الإرهاب والترهيب بها . وتستكمل اليوم الاستحواذ الكامل على مجلس القضاء الأعلى والمحكمة الدستورية والاتحادية وغيرها من مؤسسات القضاء، وقد ضمنت أخيرا إبقاء المجرم مدحت المحمود وأمثاله من عصابة القضاة الفاسدين، لذا فان كل ما يقال عن الفضائح التي تبث على الهواء عبر شاشات التلفزيون سوف لا تدين كل هؤلاء، لأنها لا تمت بصلة إلى الإدانة الحقيقية ولا تصل الى المحاكم ولا توثق بشكل قانوني عبر هيئات منصفة ونزيهة ولا تسعى إلى تحقيق المحاسبة وتطبيق العدالة، طالما أن دواوين الرقابة المالية وهيئات المفتشيات المتخصصة في كل الوزارات وحتى لجان وهيئات النزاهة باتت تمارس وهي متشاركة مع اللصوص والمجرمين فعلا الدعارة السياسية وتتطوع بطواقم نشطائها لتكون وسيلة لطمس الحقائق وهم يقفون كشهود زور أمام ما يجري أمامهم من وقائع وفضائع، من خطايا وآثام مرتكبة.
وهاهي تلك الوجوه تتصنع النزاهة والوطنية أمام العراقيين من خلال تقديم برامج هدفها خدمة الحملات الانتخابية القادمة والإلهاء والتسلية الليلية لمشاهديها، حتى أن بعضها تقدم البرامج والأفلام المخدشة للحياء وتسيئ إلى الأخلاق الاجتماعية السائدة في بلادنا، ووصل بها الأمر إلى تسريب أفلام وتسجيلات وصور مخلة بالحياء وباتت عناصرها وصحافييها تفسد صفحات التواصل الاجتماعي على مواقع الانترنيت والفيسبوك التي أضحت تخجل من يفتح روابطها التي تتبادلها المواقع الالكترونية مما يشكل إساءة إلى العراق وحركته الوطنية وقيمها النضالية.
هل نحن أمام أزمة سياسية وأخلاقية عاصفة في العراق؟ أم نعيش حالة من الوهن والاستكانة والضعف واليأس من التغيير الحقيقي والاكتفاء إلى الترقب نحو المجهول وما ستحمله الأيام القادمة الحبلى بالأقدار وعبثها؟
هناك من يتضرع بالسلوى والصبر وهو يتفرج على مسلسلات القنوات الإخبارية المشتركة جميعها في الدعاية والإشهار السياسي لتبييض وجوه وقوى بعد أن اسودت بالمخازي والعمالة والارتباط بالغزو والاحتلال .
هل يمكن تمرير هذه اللعبة القذرة المضللة من دون فضح وتبصرة بمراميها ونترك تلك الفضائيات تمارس دور الوصاية على الوعي الوطني وتجلياته؟ وهل نترك لتلك الوجوه الكالحة تملي أكاذيبها على المواطن العراقي وتقدمها تلك الفضائيات كشخصيات مجتمع ورجال دولة تتحدث بلبوس الورع والفضائل والحديث عن الوطنيات والمظلوميات الزائفة؟ وتحاول تلك الفضائيات صناعة الأصنام القديمة والأوثان الجديدة، حيث يجري تلميعها على أنها شخصيات وكيانات وفضائيات وطنية لازالت تفكر بمحنة الوطن والمواطن، وتبكي على ذلك الشعب المنكوب بحكامه وتدخل جيرانه!
نراها صباح مساء تتباكى بدموع التماسيح على خيرات العراق وتطالب لفظيا بمسائلة ومحاكمة من باعوا الذمم والأرض والعرض في أم قصر وأحواز الفاو وخور عبد الله وهي المسؤولة عن تسريب الملايين من أطنان النفط المصدر إلى الخارج من دون رقابة وحساب وعدادات، وهي التي سرقت بالأمس واليوم خبز الشعب وطعامه وزيته واستولت على ميزانيات البطاقة التموينية والدواء وماليات التعليم وكسوة فقرائه.
والأكثر خيانة في كل ما تقدم هي أنها تعاونت مع جيوش الاحتلال الأمريكي وتسكت الآن عن مظاهر الاحتلال والنفوذ الإيراني للعراق. ولم تتجرأ لا قياداتها ولا قواعدها على ممارسة النقد الذاتي والاعتراف بذنب الخيانة الوطنية أمام الشعب الصابر إزاء ممارساتها التي فاقت كل التصورات والحدود.
رحم الله جدي الفقير لله والمعدم على أرضه الطيبة المدعو شمخي موزان العبودي بريف العمارة مع كثير من أهلنا من عشائر البو محمد  البسطاء وكل أحبتنا في جنوب الوطن ووسطه وغربه وشماله، أتذكر نوادرهم عندما كانت تقعدهم الأمراض ويتهالك ضيم الأيام السود عليهم، وتلاحقهم الكوارث من كل نوع وتصاحبها حملات المداهمة والمطاردات البوليسية وفرعنة أفراد وحدات القوة السيارة وشرطة نوري سعيد ومعها زركات سراكيل الإقطاعيين المحليين من بيت الإقطاعي الشيخ محمد العريبي ومجيد الخليفة وغيرهم من حلفاء الانجليز، وهي حالات كانت تشبه إلى حد كبير أوضاع أحوالنا الآن في كثير من الوجوه.
كان أهلنا يجلسون في مضايفهم ويتناقلون بمرارة الأخبار والسوالف عن فضائح السراي والحكومة وحلفائها، ومنها ما ترد أخبارها بطريقة مضحكة ومشمتة بالحكومة الرجعية وحليفها الإقطاع العشائري والسياسي الحاكم آنذاك.. وهي أخبار تثير البهجة في النفوس لأنها كانت مؤشر لقرب أيام الخلاص من تلك الطغمة الحاكمة وأذيالها في المدينة والريف العراقي.
وعندما يضحك جدي من كل حكاية تصله ولو كانت مُرة في مضمونها ولكنه كان يدرك مغزاها ومعناها بفطرته الفلاحية وإصالته العربية، يحس أحيانا بفداحة مرور مثل تلك اللحظة المقترنة بالمرح المعلقم وهي حالة صعبة في ذلك الظرف الصعب فكان المرحوم الحاج شمخي موزان العبودي يردد كما ردد أهلنا قبل ذلك:
 أولاد الكلاب:  ضحكتوني وآنه موش طويب" ..
فعلا يا سيد جواد الشهيلي وبهاء الأعرجي وحاكم الزاملي وصباح الساعدي وحيدر الملا وأنت يا ايتها السيدة (العلوية) الفتلاوية، وأنت يا ايتها المندوبة عالية نصيف ويا مهى الدوري ويا وحدة الجميلي ويا ست ميسون الدملوجي وغيركن، وغيركم عديدون يظهرون هذه الايام  باعتبارهم من نجوم التصريحات البرلمانية والرد على المهاترات وكلهم من اصدقاء الميكروفونات وضيوف الفضائيات التي تبيع وتشتري مثل تلك الخطب والتصريحات بسوق الخردة الاعلامية.
انكم تنفخون في خواء القرب المثقوبة كهواء في شبك وتريدون ان تغطوا وجه الشمس بغرابيلكم .
والله  والله ... لقد أضحكتمونا ... وإحنا موش طويبين....
ولا زالت ليلى في العراق مريضة، وليس من احد يتجرأ القول فيكمل الشطر الثاني فيقول:
ليتني كنت الطبيب المداويا
وليس من بيننا من طبيب لبيب وحاذق وجرئ لعلاج حالة ليلى وأمراض العراق التي باتت مزمنة  سوى بندقية ثائرة واعدة للمقاومة من دون هوادة، وسواعد رائدة من ثوار الانتفاضة الوطنية العراقية وإرادة  فولاذية من شبيبة عراقية واعية فكرت أخيرا ونهائيا بالنزول الجماعي متحدية إلى شوارع الثورة والرشيد والكفاح لتملأ ساحات التحرير والعزة والكرامة من دون إذن مسبق من سلطات حكومة المالكي لكي تحاصر بعزم وإرادة وطنية أسوار المنطقة الخضراء وتدكها إلى الأبد وتدفن عار أصحابها .
وللحديث قياس وفيه تذكرة وعبرة لمن سيعتبر
وان غدا لناظره قريب


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق